في واحدة من اطلالته الفنية على جمهوره يعود فنان الأسرة المغربية كمال الطالياني من بواية جوهرة المحيط سيدي افني حيث عبق التاريخ والأمواج الزرقاء من اجل عزف لحن الوفاء المرتبط بالانتشاء من لحظات فنية وإنسانية ، كمناسبة جديدة من اجل توثيق لحظات دالة تبرز دور الفن الراقي في التأسيس لهوية وطنية تنتشي من تاريخ فني بعبق مغربي يراهن على معالم مواطن واعي بثقافته بعيدا عن الإسفاف والابتذال وكل إشكال الضياع والبؤس التي ضربت معالم الأغنية المغربية مؤخرا من اضمحلال في الاخلاق وتكريس للفراغ .
كمال الطالياني وهو يسمع تلك الحناجر الطرية الصغيرة وهي تتابع تحركاته على خشبة مسرح سيد افني وجد نفسه رهينا لدائرة كاملة من الحب المتبادل من جمهور ظل وفيا يدور في دائرة كبيرة وكاملة ويمد يده إليه لأنه ولد في أحضان فن يكرس استمراره في دوالب البحث عن خريطة طريق لأغنية مغربية أصبحت تفقد مداها الأخلاقي والإنساني بعد أن تاهت بها سبل البحث عن المال والاغتراف من قاموس لا أخلاقي استنفرت معها كل الفنانين الحقيقيين ومنهم كمال الطالياني من اجل فرملة الوضع وإرجاعه الى وضعه الطبيعي لتحقيق الاكتمال والعفوية المبنية على الكلمة الراقية والنغم الجميل الذي يعيد الإنسان المغربي إلى وضعه العتيق الضارب في تاريخ كل الأشياء الجميلة .

بتقاسيم وجهه الصبوح والمطرز بلحية خفيفة يعود الفنان صيف هذه السنة ليلفح بوجوده الجميل تلك الغياهب المتربة التي شكلت دائما مغربا خلفيا للمدن و للقرى الصغيرة التي شكلت للكثيرين امتحانا عسيرا للتدرب على كل إشكال العيش القاسي والجميل وليشكل جزاءا من عوالمها الحكائية في ليلة من ليالي إلف ليلة وليلة ستبقى خالدة في ذاكرة من حضرها لحظاتها الفنية الجميلة وهو ينتشي بفن جميل لشحرور قرر أن يغرد خارج سرب الكثيرين ممن اقترفوا مهنة الفن مما جعله محط أنظار الجميع .
كمال الطالياني فنان يركن إلى الصمت كعادته دائما ، وهو صمت يحضر بمعاني متعددة لا تعني إلا شيئا واحدا هو تمكنه من صنعته الفنية التي بقي محافظا على أصولها المغربية الحقيقية بعيدا عن الضجيج المفزع ومن هذه الفوضى المترامية التي جعلت البعض من الفنانين يحرق ما تبقى له رأسمال رمزي تعرت معه الحقيقة في دقيقة ويقفل عليه الابواب في انتحار فني تحولت معه الذاكرة الى رماد.

لاشك ان الفن عالم غريب ومتناقض ، عالم يقيد فيه الفنانون بسلاسل الاستمرار ، فيه من يبقى مقيدا برهاناته المخيبة للآمال وهي رهانات عرف الفنان كمال الطالياني ان يطير معه كالفراشات لأنه عاهد فيه على الابتعاد عن الاسفاف والابتدال وهي شروط موضوعية جعلته يدرك ان الكثير من العقول احترقت وذوى اصحابها فلم تعد الا ذكرى سيئة لأجساد مرت فلا تلك العينان ولا ذلك الصوت ولا حتى تلك الاجساد الممشوقة اصبحت مدعاة للفخر او البهجة لأنها ما عادت تحتفي بالإنسان وكل الاشياء الجميلة لانهال لا تأخذ ولا تعطي فاضحت تأكل و تشرب وتنتظر موتها الفني في انتظار ان يجد لها الاخرون على قنوات التواصل الاجتماعي نهاية ما .

تعليقات ( 0 )