لا يبرر صمت المثقفين في جزولة حول ما يجري سوى احد اثنين ؛ الخوف أو المتاجرة، أما المتاجرة فأستبعدها لسببين اثنين الأول أن ذوي الأقلام الحرة والضمائر الحية لا يقيمون وزنا لمن يزايد على كرامتهم وعفتهم، والثاني أن المنظومة الفاسدة عموما لا تقيم وزنا هي الأخرى لمن يكتب عنها لاعتقادها الباطل بحصانتها ومناعتها من كل المهددات الخارجية، لأن ما تقوم به من مفاسد وعبث لا يعنيها وحدها، هناك دائما من يحميها، ولتذهب الكتابة إلى الجحيم (هذا هو الفهم البليد لعلاقة الآخر/ الفاسد بالثقافة والفكر في المجتمعات المتخلفة) . أما الخوف فالأكيد أن ضحالة العقل وسطحية التفكير والتردي الثقافي تشكل كلها عناصر مؤسسة للغلو عند منظومة رجعية وفاسدة تفكر في مصالحها فقط ، فهذا أمر وارد أيضا وبالتالي هناك ترهيب يمارس باسم النفوذ السياسي والمالي والتسلط ، يشكل كل ذلك حاجزا نفسيا عند البعض يحول بينهم وبين المواجهة الفعلية لكل ما هو ناشز تمقته الكتابة وبرفضه المنطق ويناهضه الفكر. لكن حين يتبدد الخوف يدرك الخائف انه يخاف ممن يخافه، وأنه أقوى بكثير من كل الذين راكموا الثروة من جيوب الأهالي الفقراء وأصبحوا يهددون بها أمن الناس وحياتهم وحريتهم.
هذا منطق الكتابة من علو شاهق وهذا اسلوبها المستنفر ال،وهذه عقيدة من يؤمن بها ولا يؤمن بغيرها ، ولهذه الأسباب مجتمعة اخترت شخصيا أن أتعامل مع المكان بزمنه وشخوصه وعاهاته القديمة والجديدة ومستقبله الغامض، من هذا العلو،علو الإدانة المعرفية والثقافية والسياسية والاقتصادية الصارخة والنقد اللاذع غير الرحيم لواقع مر تعيشه سبت جزولة، واقع حي متردي منهار وفاسد يجب أن يصل صداه إلى ابعد نقطة في مسلسل السلطة والمؤسسات. فلن أكتفي بالمرور العابر الذي تعبر عنه كتابة اليأس والتذمر بمفهومها السطحي الآني واللحظي،لسببين اثنين كذلك،الأول؛لأنني صاحب مكانة اعتبارية وصاحب سلطة رقيبة أصلها القلم والكتابة؛( فاعل ثقافي وحقوقي وأكاديمي وإعلامي) . ثانيا إن هذا التراكم الثقافي والفكري والنضالي أضعه رهن إشارة وطني ومؤسساته، وشعبي وحاجياته وبلدتي الصغيرة وأهلها الطيبين المغلوبين على أمرهم،دون خلفيات ولا أهداف والغاية من ذلك وضع ملف هذه البلدة الملتبس الغامض على واجهة المؤسسات الدستورية وتحسيس السلطات الوصية بضرورة فتحه بجدية عاجلا غير آجل والوصول الى نتائج تحارب الفساد وتتبنى الإصلاح وتخدم الوضع المجالي بالمنطقة.
سبت جزولة في منظوري النقدي؛ إشكالية في حد ذاتها، لا بد من تفكيكها وتشخيص دائها واقتراح الحلول المناسبة لها، ومختصر القول أن اسباب النزول تقول ؛ إنه قد حان الوقت لإسدال الستار على مهزلة دامت عدة عقود بهذا الفضاء الضحية الذي يستحق أن تكون الكتابة عنه تأصيلية عميقة للإحاطة به، ووضعه في الصورة الملائمة القريبة من الفهم والاستيعاب وتقديم خلاصات دقيقة ومفصلة للتعريف بحالته الشاذة وتقريبها من المسؤولين في مركز القرار،على اعتبار أنها حالة / ظاهرة بامتياز،وبالمعنى الفعلي للظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي تستحق الدراسة والتفكير، فإذا دققنا النظر قليلا سنجد الفارق بين الحكم والحكامة في منطق تدبير الشأن المحلي بهذه البلدة؛مقاربة استثنائية للتدبير الجماعي التي لن يكون حلها سوى بتفكيك المنظومة التدبيرية القائمة وتحرير المنهج الديمقراطي من قبضة التسلط السياسي والقبلي العشائري العائلي وبالتالي تحرير الفضاء المجالي من أصحاب الحسابات الضيقة الذين استطابوا الريع الاقتصادي للجماعة. لذا فآليات الكتابة التي تحتاجها سبت جزولة في الوقت الراهن لا يجب أن تشتغل على مقاربات التشكيل الثقافي والمعرفي والشعر وحده،هناك حاجة ماسة للتعامل مع الوضع من الناحية المؤسساتية وكشف الواقع السلبي،لحصر مآسي المكان والإنسان قبل جرد متطلباته وحاجياته،والبدء بالإصلاح والتطهير قبل التنمية والتطوير،فالأكيد أن التنمية والتطوير ممكنة بالوسائل والإمكانيات المتاحة،ولكن آلية التنفيذ هي التي يجب تغييرها لتكون في مستوى الحدث.بمعنى آخر،لا تنمية بعقلية مضروبة مصلحيا وقصيرة النظر ومنقوصة الكفاءة. فالوضعية المأساوية التي تعيشها البلدة لم تكن يوما من صنع المؤسسة الحكومية أو تقصيرا من قبلها أو مسألة شح في الدعم المادي والميزانيات المفوضة،بل هي نتيجة العبث البالغ القسوة ومفهوم الريع الذي خيم على المجلس الجماعي خمسين سنة تقريبا،لو كانت العقلانية والنزاهة وضمير المسؤولية والتهيب من القانون والخوف من الجزاء جزء من آليات التدبير،لأمكن صنع المعجزات ؟.
مأساة مدينة اسمها جزولة
مساحة اعلانية

تعليقات ( 0 )