عيسى الشعيبي:
أعادت مسيرات العودة المتواصلة، كل يوم جمعة، على حدود قطاع غزة منذ يوم الأرض (30/3)، وما انجلى عنه المشهد الملحمي عشية ذكرى يوم النكبة (15/ 5)، إلى الأذهان المصابة بضعف الذاكرة، حقيقة أن غزة هي رافعة النضال الوطني الفلسطيني من دون منازع، على مدى السبعين عاماً الماضية، وصاحبة السبق في إطلاق أول أشكال الكفاح المسلح ضد الاحتلال حتى قبل عام 1956، ومفجرة الانتفاضة الأولى عام 1987، وصانعة أول انسحاب إسرائيلي تام من أرض فلسطينية محتلة عام 2005، الأمر الذي انتزعت معه هذه المدينة الباسلة تسمية “حارسة الشعلة المقدّسة” بكل جدارة واستحقاق.
بعد أول زيارة قام بها محمود درويش إلى قطاع غزة، في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وعاد منها مثقلاً بشتى الانطباعات الأولية، سأله أصدقاؤه في رام الله؛ ماذا شاهدت في غزة؟ فقال الشاعر الذي يختصر الكلام بأبلغ العبارات؛ رأيت فيها البأس والبؤس، في تلخيص بارع للثنائية التي رافقت حياة الغزيين طوال الزمن الفلسطيني الحديث (البأس والبؤس)، وأهّلتهم وحدهم للحفاظ على جذوة النضال متقدةً بلا انقطاع سبعة عقود، فكان منهم الفدائيون الأوائل في مطلع الخمسينيات، والقادة المؤسسون لحركة فتح أولى الرصاص، وغالبية قادة حركة حماس، الشهداء منهم والقابضون على زمام القطاع حتى الآن، الأمر الذي يشرح كل ما استبطنه محمود درويش في تشخيصه الفاتن لواقع غزة الباسلة أباً عن جد.
وأحسب أن المثقفين الغزيين يسرّهم سماع مثل هذا الإطراء الصادر عن واحدٍ من غير أبناء القطاع، لا سيما في هذا الظرف العصيب، وأحسب أيضاً أنهم في أمسّ الحاجة إلى تجديد الاعتراف بهم أصحاب سبق وريادة. وحدّث ولا حرج عن الصمود والشجاعة، فهم أهل لهذا وذاك، من دون زيادة أو نقصان، رجال لم يفتّ في عضدهم ظلم ولا جور، ولم تفترْ لهم همّة أو ينحنِ لهم ظهر جراء فقر أو حصار، كما لم تقعدهم عن مواصلة رفع الراية مشاعر طاغية بالغبن والتمييز والخذلان، ولولا خشيةٌ من مبالغةٍ لقلنا إنهم هم الفلسطينيون الحقيقيون، الذين لم يتجنّسوا ولم يحملوا غير تلك الوثيقة التي كانت لهم بمثابة عقاب جماعي شامل، أورثه الآباء للأبناء والأحفاد.
غزة حارسة الشعلة المقدسة….
مساحة اعلانية

تعليقات ( 0 )